|
| أخبار ميادين.نت: دراسات مسرحية عربية فى المسرح الحديث |
زائر جديد كتب " د . مصطفى رمضاني
إشكالية التجريب في مسرح السيد حافظ
إعداد و تقديم
تقديــــــــــــــــــــــــــــم
د. مصطفى رمضاني
حين نستقرىء الريبرتوار المسرحي العربي أفقيا، يسترعي انتباهنا توا تربع المبدع المسرحي السيد حافظ على عرش التجريب، سواء على مستوى الكم أم على مستوى الكيف. فقد أبدع ما يناهز الأربعين عملا مسرحيا استحضر فيها مختلف الأساليب الفنية و الاتجاهات الدرامية الحديثة و المعاصرة. ولكنها جميعا تظل وفية لمبدإ التجريب.
ومعلوم أن التجريب في المسرح العربي يظل موصولا بإشكاليتي التأسيس و التأصيل، حتى لا نكاد نفصل-أحيانا- بين هذه المستويات الثلاثة. فالمبدع المسرحي العربي حين يجرب الأشكال الدرامية من منطلق الحداثة، إنما يكون بصدد القيام بفعل التأسيس، نظرا لغياب القاعدة الجمالية الأصل التي يمكن أن تكون منطلقا أو قاعدة لفعل التجاوز الذي هو سمة أي تجريب.
والسيد حافظ يعي جيدا هذا المعطى الذي هو في جوهره معطى إيبستمولوجي. لذلك فهو يراهن على مستويين لتحقيق هذا البعد التجريبي الحداثي في مسرحه. وأعني بهما مستوى الكم
و الكيف معا. فوفرة الإنتاج سبيل للانتقال من مرحلة الكم إلى مرحلة الكيف. و لايمكن معاينة أثر التجريب المسرحي بالملموس، إلا ضمن ريبرتوار يبرهن على نجاعة التجربة في إطار التعدد و التنوع.
ولعل نظرة سريعة إلى الريبرتوار المسرحي للمبدع السيد حافظ، يؤكد هذا الغنى وذلك التعدد. فهو كاتب عايش مراحل الانتكاسات العربية، وعاين مرارة التناقضات الاجتماعية التي أفرزت كتابات غاضبة أحيانا، ويائسة حينا، وحالمة أحيانا أخرى. وبين الغضب و اليأس و الحلم، تستمر الكلمة الصادقة مبشرة بكل القيم التي تدعو إلى إنسانية الإنسان، وحيوية الحياة، وما إلى ذلك بما يؤمن به كل مبدع ملتزم و جاد وأصيل.
والسيد حافظ من طينة الكتاب الذين راهنوا على الكتابة، في زمن تضاءلت فيه قيمة الكلمة، بسبب كثرة الإحباطات، واتساع رقعة الخيانات، وتفشي ظاهرة التسيب الثقافي و الفني. فهو المرابط في رحاب الكلمة: يكتب في صمت و تواضع، بعيدا عن الأضواء و" الطبول الخرساء"؛ لأنه يؤمن بأن الأصيل سيظل أصيلا، وإن تعددت الأقنعة، وتنوعت أساليب الزيف و الدجل..
لأجل ذلك، نجده يراهن على التجريب لتحقيق فعل الاختراق. وهي صفة لازمة في الإبداع الأصيل الذي يخترق كل الحواجز، ليصل إلى المتلقي في كل مكان و في كل زمن. وحين نقرأ نصوص السيد حافظ، نحس بهذه الصفة، لأنه يكتب للإنسان دون مراعاة لمكانه أو زمنه، تماما كما عند كبار المبدعين الخالدين الذين يخترقون فعلي الزمن و المكان بما أوتوا من قوة التأثير بالإمتاع و الإقناع.
ونحن إذ نصدر هذا الكتاب، إنما نستجيب لهذه القوة: قوة التأثير، لأن نصوص السيد
حافظ فعلا تمتلك القدرة على الإمتاع و الإقناع. فهي نصوص تجمع بين شعرية اللغة بطابعها الانزياحي، وبين حس بناء الشخصيات، وتركيب الأحداث وتنوعها وغناها؛ فضلا عن الأسلوب العجائبي الذي هو نتاج خيال خصب، وذكاء و موهبة أصيلة... وهي كلها أمور تبرهن على مدى غنى هذه التجربة الإبداعية التي تشكل حالة خاصة في المسرح العربي ، حري بأن يليها النقد ما تستحقه من عناية. فهي تجربة غنية بمكوناتها الأدبية و الجمالية و التقنية. وسيجد فيها الدارس ما هو قمين بإغناء التجربة المسرحية العربية: إبداعا و نقدا.
ولاأخفي عن القارىء الكريم أن هذا الغنى هو الذي كان وراء اهتمامنا بكتابات السيد حافظ عامة، وبكتاباته المسرحية على وجه الخصوص. بل إن هذا الغنى نفسه هو الذي أهل نصوصه المسرحية لتكون مادة للدرس الجامعي الأكاديمي في مستواه العالي.
فمن خلال البحث في إشكالية التجريب في المسرح العربي – الذي هو أحد محاور الدراسات العليا في جامعتنا – كان لا بد من الوقوف عند تجربة السيد حافظ المسرحية للبحث عن الأسس الجمالية فيها باعتبارها نموذجا للتجريب. وها نحن اليوم نقدم ضمن هذا الكتاب جزءا مما انتهينا إليه في تلك الوقفة العلمية. والكتاب في أصله مجموعة أبحاث أنجزها طلبة الدراسات العليا. ونظرا لأهميتها، ارتأينا طبعها مجتمعة، تعميما للفائدة من جهة، وتقديرا للجهود التي ما فتىء يبذلها المبدع السيد حافظ قصد ترسيخ كتابة مغايرة تؤمن بالاختلاف و التنوع .
د. مصطفـى رمضـاني
وجدة في 20 يناير 2004.
عن التجريب والتأصيل في مسرح السيد حافظ
قراءة في مسرحية "حكاية الفلاح عبد المطيع"
محمد السعيدي
ظل المسرحيون العرب طيلة عقود من بداية ممارستهم المسرحية يلتزمون تطبيق القواعد الأرسطية للكتابة الدرامية. وهذا يعني التقيد بوحدة الحدث والزمان والمكان، فكان الخطاب المسرحي بذلك يسعى إلى تحقيق الإيهام بالواقع من خلال محاولة إنتاجه بطريقة شبه فوتوغرافية.
بيد أن اطراد التجارب وتراكمها، وانفتاح المسرحيين العرب علىالتجارب الغربية الرائدة، ساعد على بروز كتابات نصية وركحية تروم تجاوز النموذج التقليدي، عن طريق التجريب الذي ابتدأ في شكل محاولات فردية، ثم لم يلبث أن أصبح "ظاهرة عامة تستهدف الخروج من قيود التقاليد المسرحية المألوفة في الدراما الواقعية لدى كتاب ركزوا إنتاجهم المسرحي داخل الأشكال التجريبية". وقد ارتبطت هذه الظاهرة بسنوات السبعين، وبجيل جديد من المتقنين العرب الذين راموا ارتياد عوالم مجهولة وصياغة أشكال جديدة.
"وربما كان السيد حافظ هو أكثر كتاب هذا الجيل شغفا بالتجريب. وهو تجريب لا يقف عند حد ولا يتوقف، حتى ليبدو مسرحه مسرحا للتجريب بلا هدف، فعلى الرغم من غزارة إنتاجه –إلى حد ما- بالنسبة لكتاب جيله، إلا أنه لم يتوقف عند شكل بعينه".
منذ مسرحيته الأولى (1971م) بدت جرأته الإبداعية في اقتحام لغات جديدة لم يستسغها البعض وتساءل في استنكار : "وما الذي يمكن أن تفهمه الجماهير من مؤلف يسمى محاولته الأولى "كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى"؟".
ومسرحياته التي تلتها لم تخرج عن هذا الخط، فهي تعلن انزياحهاعن المألوف بدءا بالعناوين : "حدث كما حدث ولكن لم يحدث أي حدث" 1972- "الطبول الخرساء في الأودية الزرقاء 1972- هم كما هم ولكــن ليسوا هم الصعاليك 1977... إنها عناوين غريبة ومثيرة "تكشف عن رغبة دخيلة في التمرد والثورية كما تكشف عن شغف أثير بالتجريد والتجريب". وقد تقلب في هذه المسرحيات بين أغلب اتجاهات المسرح الطليعي من تعبيرية وعبثية وتجريدية وغيرها. لكن مسرحيته "حكايـــة الفلاح عبد المطيع" فيما يبدو، كون آخر جديد، ربما كان حوصلة سنوات من الهدم والتمرد، وخلاصة عقد في خضم التجريب والبحث الدؤوب.
هذا ما تروم هذه القراءة، وهي تتأمل هذا الكون المسرحي، التأكد منه دون أن تغفل ما تحفل به هذه المسرحية من جوانب التجريب التي تربطها بسابقاتها من مسرحيات السيد حافظ.
1 - مؤشرات البعد التغريبي (قراءة في العنوان والاستهلال)
أ- العنوان :
وضع السيد حافظ لهذه المسرحية- وكعادته في مسرحيات أخرى- عنوانين اثنين : العنوان الأول هو : "ممنوع أن تضحك، ممنوع أن تبكي"، والثاني هو : "حكاية الفلاح عبد المطيع". يركز العنوان الأول على الحدث العام والمثير في المسرحية وهو منع الضحك ومنع البكاء، بينما يركز الثاني على اسم البطل المحكي عنه.
"_ممنوع أن تضحك ممنوع أن تبكي" : كل الألفاظ الأساسية في هذا العنوان تؤشر على الصراع : (ممنوع – تضحك – تبكي). والتركيب المزدوج للعنوان يؤشر من جانبه على تقابل يحمل بعد التنافر والصراع، ويزيد من درامية الموقف. إنها أقصى درجات القمع الذي يمتد إلى أخص خصوصيات الإنسان، ونعني بذلك التعبير عن مشاعره. فمعلوم أن الضحك أو البكاء غالبا ما يكونان استجابة تلقائية لظروف أو مواقف محددة. وعليه فلا يعقل أن يتم منعهما أو إخضاعهما للأوامر... وهكذا وظف السيد حافظ التوازي والتقابل لإبراز حدة المفارقات في المسرحية.
وعلى الرغم من أن هذا العنوان يبدو أكثر إثارة، فإن المؤلف آثر العنوان الثاني: أي "حكاية الفلاح عبد المطيع". فقد اختاره عنوانا لكتاب يضم عددا من المسرحيات الأخرى، إضافة إلى هذه المسرحية طبعا، وبعض الدراسات لكتاباته. وبهذا العنوان ستشتهر المسرحية، ربما لطابعه المختصر الذي يسهل تداوله.. لكن الواضح أن هذا العنوان يزيل كل ما قد يمارسه العنوان الأول من إغراء أو تضليل للقارئ. إنه يسعى بطابعه المحدد إلى تحديد المضمون، وتكسير الإيهام لدى المتلقي، بهدف جعله يتخذ مسافة مما يعرض عليه، تجنبا للتماهي المطلق مع أحداث المسرحية، وحفاظا على المسافة الضرورية التي تمكنه من اتخاذ موقفه الخاص مما يقدم له.
ولا يعني هذا أن عنوان المسرحية قد أغلق أفق انتظار القارئ، ولكنه حدده وعينه. ولعل لفظة "حكاية" الواردة فيه تؤكد قصدية المؤلف في تخليص المتلقي من أي توهم بواقعية ما يحدث في المسرحية.
فهذا العنوان بطابعه العام والمحدد في الوقت ذاته، يسعى إلى تكسير الإيهام وتنبيه المتلقي إلى أنه إزاء حكاية (مجرد حكاية)، تقتضي منه اليقظة المستمرة لممارسة النقد والتقييم لمختلف عناصر هذا الكون الحكائي المسرحي.
ب- الاستهلال :
التأشير على الحكي :
في بداية المسرحية يظهر الراوي ويقول :
"سيداتي ... آنساتي...سادتي... هذه الليلة سنعود إلى الوراء، إلى زمن كان الإنسان مفقود القيمة، يهان، كان الإنسان الحيوان قوي النفوذ والسلطان، هذه الليلة نقدم لكم حكاية، وحكايتنا ليست عن هاملت أو هنري الرابع أو حتشبسوت أو نابليون أو أي ملك من ملوك الأرض".
قد تبدو هذه الإشارات من قبيل الزيادات، لأنها لا تؤثر في الحدث المركزي ولا تضيف جديدا إليه. بيد أن أهم شيء تقوم به هو الإشارة إلى أننا بإزاء حكاية. ومن ثم فهي تدعو المتلقي للمشاركة بغية تحقيق نوع من الفرجة النقدية التي يلح عليها بريخت.
الإطار الزمكاني وطابع اللاتحديد :
من جهة أخرى، فهذا الاستهلال وإن كان يشير إلى زمن المسرحية (سنعود إلى الوراء) ، أي الزمن الماضي. فهو لا يحدده بوقائع معينة لها ارتباط بمكان وعصر محدد... إنه "زمن كان الإنسان مفقود القيمة يهان، كان الإنسان الحيوان، قوي النفوذ والسلطان" ، إن هذا الزمن روح قبل كل شيء وإحساس وظلال نفسية وفكرية.
لا شيء يحدد هذا الزمن سوى أن الإنسان فيه مفقود القيمة يهان. في حين أن الإنسان الحيوان يستبد بالسلطان. وهذه مؤشرات يضعنا من خلالها هذا الاستهلال في قلب الصورة. إن الأمر يتعلق بقضية العلاقة بين الحاكم (المستبد) والمحكوم (المقهور)...وهي إحدى القضايا التي لا تربط بزمن محدد.
أما المكان في المسرحية فهو مصر، حسب ما يتضح من خلال قول الراوي : "في كوخ" . ويضيف الكورس : على شاطئ النيل" .. وهو يبدو هنا محددا. إلا أن حرص السيد حافظ على ألا يكون الديكور واقعيا : "يفضل الديكور المتحرك البسيط المجرد وقطع الإكسسوار البسيطة" ، يؤكد رغبته في تمكين المتلقي من ممارسة التأويل، وعدم سجنه داخل بؤرة واحدة ضيقة.
بهذا تتجاوز المسرحية حدود الزمن والمكان المتعارف عليهما، لتشكل إطارها الخاص الذي تعبر من خلاله عن قضية لا تخص زمانا ولا مكانا بعينه... إنما هي قضية كل عصر ومصر يسود فيه الاستبداد والقهر والتسلط... وللقارئ/المتفرج الحق في قراءتها وتأويلها باستحضار واقعه الخاص إن شاء.
"عبد المطيع" بطل أم لا بطل :
أمر آخر يشير إليه هذا الاستهلال، وهو "بطل" المسرحية : "حكايتنا ليست عن هاملت أو حتشبسوت أو نابليون.. أو أي من ملوك الأرض" . وهذا ما أثار استغراب الجوقة الذي يوحي به تساؤلها الاستفهامي : "عن أي شيء تحكي إذن؟" . وهو يعكس استغراب شرائح عديدة من متلقي المسرح الذين تتحكم فيهم الخلفية النصية التقليدية. فقد ارتبط البطل في المسرح الكلاسيكي "بشخصيات ذات قيمة عالية مختلفة عن عامة البشر وأحيانا خارقة في اتجاهين هما القيمة الاجتماعية والانتماء من جهة، والقيمة الذاتية أي الصفات والقدرات الشخصية من جهة ثانية".
هذا يوضح لنا مسوغ النفي الوارد في كلام الراوي. فمن خلاله يؤكد المؤلف انزياح مفهوم البطل عنده عن المفهوم التقليدي.
وعندما يشير الراوي إلى أن عبد المطيع هو فلاح فقير، أجير .. نتأكد أن مفهوم الشخصية الرئيسية عند المؤلف يساير مفهومها في المسرح الحديث، حيث تحولت في أحيان كثيرة لحالة معاكسة تماما لمفهوم البطل. وهذا هو اللابطل Anti-héros الذي نجده في المسرح التعبيري في ألمانيا، ولاسيما مسرح الألماني برتولد بريخت. الذي بلور شخصية الرجل الصغير أو العادي الذي لا يحمل أية صفة من صفات البطولة.
إن عبد المطيع شخصية هامشية. ذلك ما تؤكده أحداث المسرحية. فهو إنسان واقعي يتصور الواقع كما هو ويعيشه كذلك، كسول لا يعمل، يقنع من الحياة بما تيسر، سلبي ومسالم. وهو شأنه شأن باقي أبطال السيد حافظ يبحث عن الممكن وليس عن المحال. يبحث عن مدينة يغيب فيها (ممارسة القهر على المواطن، وطمس كيانه ومسخه بتمريره على أجهزة القهر والعجز والتخلف) . فإذا كان "سيزيف" البطل العبثي الوجودي قد تسرب إلى مسرح السيد حافظ من خلال مسرحيته (سيزيف القرن العشرين)، وكان "أبو ذر الغفاري" الصحابي الجليل الممسك بسيف الحق القابض على الجمر رمز التمرد عنده، وهو تمرد يقرن الفعل النظري بالفعل العملي ، فإن عبد المطيع شخصية واقعية بسيطة تعاني الفقر. إنه يعيش داخل آلة جهنمية اسمها المجتمع، وهو مطالب بالطاعة كما يؤشر على ذلك اسمه، داخل البيت وخارجه... لكنه مع ذلك شخصية غريبة الأطوار، تجمع بين التفاهة و"العظمة"، السطحية والعمق، يلفها الغموض، وإن بدت واضحة في الظاهر. فهل فعلا كان عدم امتثاله للأوامر عفويا وغير مقصود ؟ لنستمع إلى أول ما ينطلق به عبد المطيع في هذه المسرحية : "يومان بلا عمل، أنت أنا (ينهق الحمار) أعرف أنك غاضب، عندما تكون عاطلا تغضب مني من الدنيا من كل شيء.. السبب ليس مني.. لست مسؤولا عن شيء مما حدث أتفهم ؟.. أنت تفهم أكثر من أي شخص في هذه الضاحية، أنت تفهم أكثر من رئيس الشرطة وشهبندر التجار ومن أم بثينة.."
إن مثل هذا الكلام المثقل بحمولات فكرية وسياسية كبرى لا يرجح أن يصدرعن فلاح بسيط كعبد المطيع. وحتى لو افترضنا إمكانية حدوث ذلك، فإن الأسئلة التي يطرحها فيما بعد وهو يحاور صهره من قبيل : "من أتى بالمماليك إلينا ؟ ومن أتى بالسلاطين إلينا ؟" . أسئلة حقيقة ومقلقة تؤكد غرابة شخصية البطل، وحضور المؤلف الذي يمرر خطابه من خلال شخصيات مسرحيته.
II – "حكاية الفلاح عبد المطيع" بين الواقعي والمتخيل :
تحكي المسرحية كما اتضح حكاية فلاح اسمه عبد المطيع، يعيش حالة فقر مدقع، تعاني معه زوجته وأبناؤه الضنك والشقاء، في حين ينعم سلطان المدينة بالغنى والثراء بمعية حاشية متملقة تخدمه، وتخدم مصالحها ولو على حساب الناس. ومما يبرز استبداد الحاكم، أنه يصدر فرمانا يتضمن أوامر بأن يرتدي كل فرد ملابس سوداء تعبيرا عن حزنه على مرض عين السلطان. إلا أن عبد المطيع لم يسمع بالأوامر لذلك يعاقب بالسجن. ويشفى السلطان فيصدر فرمانا آخر يأمر فيه بارتداء اللباس الأبيض تعبيرا عن الفرح. ومرة أخرى لا يسمع عبد المطيع- الذي كان طريح الفراش- الأوامر، فيعاقب لأنه أبقى على لباسه الأسود. ويضيق ذرعا بهذا الحال، فيحاول السلطان إغراءه وذلك بتعيينه قاضي القضاة لإسكاته ربما. بيد أنه يرفض لأنه يفضل، كما يصرح في نهاية المسرحية أن يكون من العراة.
لقد استطاع السيد حافظ أن يلتقط هذا الحدث ويصوغه في قالب درامي مسرحي، ويشحنه بدلالات وأبعاد رمزية وفكرية تثير فينا النقمة والكراهية لكل نظام مستبد يحاول قهر الإنسان وسلبه إرادته وحريته.
إن هذه المسرحية وإن كانت ممتعة في بعض جوانبها، فهي لا تبعث على السرور. إنها تستثير الهمم، وتدعو ضمنيا ودون تقريرية مباشرة، إلى اتخاذ موقف إزاء الظلم والاستبداد... وعليه فقد استطاع السيد حافظ بفضل تجربته لهذه الحيلة الذكية، أن يطعم النص بحدث تغريبي يجعل موضع الغفلة عند "عبد المطيع" مدعاة للمتلقي، كي يتعامل مع هذه اللقطة بيقظة عقلية لا تستلم للعواطف. فغياب الفعل عند "عبد المطيع" يمارس حضورا خفيا لدى المتلقي كي يدرك حقائق السلطة.
من جهة أخرى، فإن هذه المسحة الفنتازية التي أضفاها المؤلف على مسرحية قد وفرت لها عناصر التشويق والإثارة. فأن يعلن الحزن العام في البلاد، ويرتدي الجميع ملابس سوداء، ويدورون على أبواب المساجد، ويصلون ركعتين عقب كل صلاة حتى تشفى عين الملك، وأن يلزموا بعد شفائه بإظهار الفرح بارتداء ملابس بيضاء... مثل هذا الأمر يبدو خياليا مستبعد التحقق في الواقع، ولكنه غلف المسرحية بطابع شبه أسطوري مثير زاد من عوامل التغريب فيها. ولا يخفى ما فيه من مبالغات تروم إبراز المفارقات الصارخة التي تحكم علاقة الحاكم بالمحكومين داخل مجتمع القهر والاستبداد. ويسعى المؤلف من خلال ذلك إلى إثارة المتلقي، ومواجهته بهذه الحقيقة المرة، لتحفيزه على اتخاذ الموقف المناسب: أي رفض هذا الواقع الفوضوي غير العادل...
ولقد استطاعت هذه المسرحية، برغم ما فيها من حضور للخيالي (شبه الأسطوري)، أن تقنعنا بوجودها وارتباطها بالواقع، بفضل ما وفره لها المؤلف الذي استطاع أن يحملها آهات أبناء الشعب ومعاناتهم وآمالهم. بل إن هذا المزج بين الواقعي والمتخيل هو الذي يفسح المجال للمتلقي لتوظيف مخزونه الثقافي الذي يكون من خلاله نصا مسرحيا آخر هو غير نص المؤلف: إنه نص المتلقي، أو القطب الجمالي بتعبير أصحاب نظرية التلقي.
وربما تبادر للذهن أن التداخل بين الخيال والواقع، قد يجعل المسرحية متفككة البناء. لكن الواقع أن هذا التداخل واحد، مما يمنحها خصوصيتها. فمن خلاله برزت قدرة المؤلف على صهر "الخيالي" في إطار الواقعي، وتجاوز المألوف للتحليق في دنيا الخيال.
-III "حكاية الفلاح المطيع" بين تحيين التاريخ واستلهام الموروث الشعبي :
أ- تحيين التاريخ :
بموازاة انفتاحها على عوالم خيالية، ولو نسبيا، فقد عمدت المسرحية إلى استحضار لحظات تاريخية دالة تجسدت في عصر المماليك -وهو أحد عصور الاستبداد- الذي انتقى منه المؤلف حدثا تاريخيا عمل على مسرحيته من منظور عصري حداثي، عن طريق الجمع بين الماضي والحاضر. وهذا ما يعبر عنه عادة "بالتحيين".
ولان التاريخ "الرسمي" لا يحفل بالمهمشين كما يوحي بذلك كلام الجوقة : "أين التاريخ لينزل من عليائه ليرى الشوارع ليرى ماذا يفعل الملوك والسلاطين بالشعوب" ، فلا ينتظر أن يكون هذا الحدث المنتقى - وهو يرتبط بأحد النماذج المهمشة- موثقا. وإلى هذا يشير الراوي بقوله : "العاقل من يفهم أن اسم بطلنا ليس في سجلات التاريخ السلطاني أو المملوكي وشجرة عائلية ليست مسجلة في كتب التاريخ ولا تدرس حياته في المدارس".
لم تكن غاية المؤلف هي استنساخ التاريخ، ولكن إعادة كتابته بمراعاة ذوق المتلقين والظروف المستجدة في المجتمع، في محاولة لإمداد المسرحية بعناصر لا نهائية لا تحملها بالضرورة على التقيد بالواقع. وعليه فليس ضروريا أن يكون هذا الحدث قد وقع بحرفيته في فترة من فترات التاريخ.
ولعل أبرز شخصية تم استقدامها من التاريخ- فيما يبدو- هي شخصية "قنصوة الغوري" سلطان المدينة. وإذا ما استثنينا هذا الاسم الغريب وبعض جوانب غرابة الحدث، وكذا طريقة إعلام الناس بالأخبار (الفرمان ودق الطبول).. فلا شيء يوحي بانتماء الشخصيات أو الأحداث إلى التاريخ (الماضي). وهذا ما أشرنا إليه ونحن بصدد الحديث عن زمن المسرحية. فقد تعددت الأسماء، لكن المسميات واحدة. فلكل عصر "قنصوته" الذي يخضع الشعب بالقمع والإرهاب. وبهذا لم تداعب المسرحية خيال الفقراء المستضعفين بأحلام زائفة، شأن بعض المسرحيات الميلودرامية. ولكنها حاولت هزهم وصدمهم بالحقيقة المرة والواقع الجاثم على أنفاسهم. فالفقراء مضطهدون في كل زمان، فماذا هم فاعلون ؟
لقد أعاد السيد حافظ صياغة شخصية "قنصوة الغوري"، وعلاقته بالرعية دراميا بما يتفق مع البعد الواقعي لها. وربما فسر هذا الأمر بكونه محاولة لتجنب الإشارة المباشرة لحاكم بعينه درءا للنقمة. لكن الواضح أن لهذا الإجراء بعدا جماليا بالأساس. فاستلهام هذا الجو التاريخي (شبه الأسطوري) أنقذ المسرحية من رتابة التعبير المألوف والمباشر عن الواقع، وأضفى عليها بعدا تخييليا يثير المتلقي، ويحفزه على المشاركة في تشكيل المسرحية وتصور أحداثها، ومحاولة الكشف عن العلاقات القائمة بين شخوصها والمساهمة في حدودها وأبعادها، وبذلك نقله من موقع المتلقي السلبي إلى موقع المتلقي المشارك.
إلى جانب هذا فقد أسهم استلهام التاريخ- في هذه المسرحية- في تجاوز الأسلوب السياسي المباشر لصالح إيحائية النص. وكان وسيلة خولت للسيد حافظ، وكغيره من الدراميين العرب، "التحرر من نثرية الواقع والتحليق في مدارات شعرية المتخيل عبر كتابة درامية جديدة تثير المتلقي وتخلخل أفق انتظاره".
ب- استلهام الموروث الشعبي :
توظيف التراث في العمل الإبداعي أصبح تقليدا رائجا في أغلب الأجناس الأدبية. وبالنسبة للمسرح العربي، فقد استأثر هذا الموضوع باهتمام كبير. فإذا كانت غاية التأصيل هي البحث عن أشكال فرجوية جديدة، فإنه لم يكن بالإمكان تحقيق هذه الغاية.. إلا من خلال اللجوء إلى التراث الشعبي، نظرا لما يختزنه من أدبيات وظواهر احتفالية يتمفصل في نطاقها النشاط الروحي والاجتماعي والفني للإنسان العربي".
في مسرحيته هذه، "حكاية الفلاح عبد المطيع"، لجأ السيد حافظ إلى التراث الشعبي الفرجوي، فاستحضر أحد وجوهه وهو "الراوي" ذلك القاص الشعبي الذي "يعرض" على جمهوره سيرة عنترة وسيف بن ذي يزن وغيرهما من السير في فضاء تتألق فيه المرويات والشعريات والمرتجلات واللغات الجسدية..
يتدخل "الراوي" أكثر من ثماني مرات في المسرحية. يظهر في البداية للإعلان عن بداية الحكي، والتمهيد لأحداث المسرحية بتحديد زمانها ومكانها وبطلها وبدايتها.. في بداية الفصل الثاني، تدخل للتأشير على انتقال أحداث المسرحية إلى مكان آخر، ودخول شخصيات أخرى حلبة الصراع (السلطان والوزراء والمستشارين..). كما قد يعمل على الربط بين أحداث المسرحية المتفرقة، والإشارة إلى تحول شكل الصراع أو نموه.. ودائما يرد كلامه في إطار حوار مع الجوقة أو الكورس :
"الكورس : وارتدت كل المدينة السواد إلا هو عبد المطيع.
الراوي : دعونا نر ماذا حدث ؟"
في أحد تدخلاته عمل "الراوي" على التهييئ لنقلة فنية تتجلى في استعادة أحداث ماضية (تقنية الفلاش باك)، وذلك عندما هم "عبد المطيع" بسرد مشكلته مع زوجته على صديقه "مرسي".
ولم تقف وظيفة هذا الراوي والكورس والجوقة عند هذا الحد، وإنما تعدته إلى التعليق على الأحداث، بما يؤكد عدم حيادها :
"الراوي : أين المصابيح يا رجال لهذا الرجل.
المصابيح مفقودة.. خارج القصر الأبواب والنوافذ مغلقة.. هذه السكة أمامكم. إنه النفاق.. لم يدر الرجل أن الفرمان قد صدر بارتداء الملابس البيضاء من يحمل هموم عبد المطيع ؟ النجمة ؟ البحر ؟ السيف ؟ الزهور ؟
الجوقة : كل الأيام مطعونة، الشريف فينا مطعون.. هذا زمن رديء.."
هاهنا ومن جديد، تبرز ذاتية المؤلف الذي يأبى إلا أن يمرر خطابه بهذه اللغة الشعرية الحزينة، ويصر في موضع آخر من خلال حوار الراوي مع الجوقة على أن يحمل المسرحية بعض مفاهيمه عن المسرح. وقد تجلى ذلك من خلال جواب الراوي على الجوقة في بداية المسرحية : "الجوقة : انتظر... هذه المسرحية لابد لها من بداية ووسط ونهاية.
الراوي : لسنا في قاعة تدريس الدراما".
لا يخلو هذا الكلام من قصدية واضحة، للتعبير صراحة عن تجاوز المنظور التقليدي للمسرح الذي يرتبط كما يومئ إلى ذلك كلام الراوي بقاعات التدريس فقط.
هكذا لجأ السيد حافظ إلى استلهام شخصية "الراوي" من الموروث الشعبي باعتباره أصلا عربيا يحقق بعد المشاركة والتغريب وتكسير الإيهام، وباعتباره محورا ينظم الحدث المسرحي، وينسق أجزاء المسرحية وفق منظور خاص لا يخضع لمنظور المسرح الغربي.
ولا بأس من الإشارة إلى أن "الراوي" والموروث الشعبي بشكل عام يمثل جزءا من متخيل المتلقي العربي. وعليه فإن توظيفه من لدن السيد حافظ يعتبر بمثابة مراعاة لهذا البعد.
خـــاتمــــة
وتجدر الإشارة في ختام هذه القراءة إلى أن المسرحية غنية بمواطن التجريب، إن على مستوى الحوار، أو اللغة، أو المكونات الدرامية، أو المعينات الركحية (الإشارات المسرحية) التي تؤكد حضور هاجس العرض لحظة كتابة النص.. وما كان بالإمكان الإلمام بكل ذلك في عرض محدود الصفحات.
بيد أن أهم ما نود تأكيده هنا هو حضور هاجس الكتابة الضد (الجديدة) في هذه المسرحية، بدءا بعنوانها، مرورا باستهلالها، وصولا إلى مختلف مكوناتها الجمالية والفنية التي انزاحت عن كثير من قواعد المسرح التقليدي.. وارتادت عوالم خيالية وتاريخية وتراثية كما اتضح.
وبذلك كانت مسرحية "حكاية الفلاح عبد المطيع" فعلا، بداية مرحلة مسرحية جديدة في مسرح السيد حافظ. وهي مرحلة التأسيس التي تأتي عادة بعد فوضى الهدم والتجريب. ففي هذه المسرحية يعود السيد حافظ إلى
التراث العربي وإلى الوجدان الشعبي وذلك من أجل صياغة لغة مسرحية، لغة تملك القدرة على التعبير عن هم العربي وعن فكره وعن روحه.
لائحة المراجع
1- "البناء الفني في أدب المسرح المصري المعاصر"، السعيد الورقي.
2- "إشكالية التجريب في مسرح السيد حافظ"، أطروحة لنيل دبلوم الدراسات العليا، إعداد بنيونس الهواري، تحت إشراف : د.مصطفى الرمضاني، كلية الآداب ، وجدة ، المغرب. موسم 1999-2000.
3- "حكاية الفلاح عبد المطيع"، السيد حافظ، مطابع صوت الخليج، 1982.
4- "في مسرح السيد حافظ"، الجزء الأول، دراسات، مكتبة مدبولي، مصر، 1988.
5- "المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة"، حسن المنيعي، الطبعة الأولى، 1415هـ-1994.
6- "المعجم المسرحي"، حسن قصاب وماري إلياس.
قراءة في مسرحية (حلاوة زمان) أو "عاشق القاهرة""
محمــد المحــراوي
مقدمـة:
رافق نشأة* المسرح العربي الجنوح إلى استلهام التراث بتوظيف مواده وقصصه، لدى المسرحيين العرب في أعمالهم الإبداعية، وازدادت هذه الظاهرة حدة في العقود الأخيرة،خصوصا بعد أن أصبحت خاضعة لضوابط ومناهج سطرها المسرحيون العرب الذين فتحوا باب التنظيرات في المسرح العربي ، منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين.
والخاصية التي يتميز بها المسرحيون العرب في توظيفهم للتراث في إبداعاتهم هي التعامل الانتقائي مع التراث، بالتركيز على الأحداث الجليلة في تاريخ الأمة العربية والإسلامية لإحياء مفاخرها وأمجادها، في هذا العصر الذي أصبح فيه العرب والمسلمون أمة مهزومة ومهلهلة،فيتم استحضار التراث لإثبات أن العرب كانوا في زمن مضى أسيادا ولم يكونوا عبيدا، لتكون الاستعادة للماضي المجيد بمثابة عقد مقارنة " بين الحاضر المتقدم للأخر وماضيه المتخلف من جهة، وبين الماضي المتقدم بالنسبة للذات العربية وحاضرها المتخلف من جهة أخرى ".
هذا، كما يتميز التعامل مع التراث من قبل المسرحيين العرب بالاهتمام بالتاريخ غير الرسمي الذي مسته يد التشويه، كالثورات التي تقاد ضد الظلم والقمع، والموصوفة في كتب التاريخ بالفتن، كالثورة المعروفة بثورة الزنج على سبيل المثال. وأيضا يتم التركيز على ظاهرة الإعدامات التي كانت تنفذ في حق بعض الشخصيات المعارضة، بتهمة الإلحاد والردة. لهذا يلجأ المسرحيون إلى صياغة هذه الأحداث صياغة جديدة تحاول فضح الخفي، وإبراز
الدوافع التي يرونها حقيقية وراء هذه الثورات والإعدامات، والتي تكون دائما هي الانتفاض ضد الظلم والقمع الممارسين على أصحاب هذه الثورات المجوعين، أو تلك الإعدامات التي تمرر تحت يافطة الإلحاد والمساس بالمقدسات الدينية، والتي يكون الدافع الحقيقي إليها – حسب ما تبرزه الأعمال المسرحية – هي حب الحكام للسلطة، وخوفهم من أن تنفلت من بين أيديهم بسبب ما تقوم به تلك الشخصيات من فضح لهم، وتحريض للشعب ضدهم فيكون الحل هو إسكاتهم إلى الأبد.
ولا يحق للمتلقي أن يحاكم المسرحي بالصدق أو الكذب، لأنه ليس مؤرخا " فالعمل المسرحي يستقل عن المادة التاريخية، ويكون الحكم عليه بمدى توفيقه في إقناع المشاهدين أو القراء بأن الأحداث التي يعرضها أمامهم قد حدثت أو كان يمكن أن تحدث، فالإقناع هو الفيصل في هذا الموضوع ".
والمسرحية التي نحن بصدد تحليلها تاريخية بامتياز. لذلك فإننا في تحليلنا هذا ركزنا على هذا العنصر. أي العودة إلى التاريخ لصياغة عمل إبداعي. وتوقفنا كذلك عند طبيعة اللغة الموظفة في هذه المسرحية. وخصصنا أيضا لما يسمى بالإرشادات المسرحية حيزا من هذا التحليل حتى لا يكون تحليلنا أدبيا صرفا.
1- توظيف التراث في مسرحية " حلاوة زمان" للسيد حافظ.
لا يصعب على المتصفح "للريبرتوار" المسرحي العربي أن يقف عند حقيقة مهمة، تنطبق على المسرح العربي عموما، وفي جميع فتراته، منذ العروض الأولى التي كان يقدمها مارون النقاش وصولا إلى عروض المسرحيين المعاصرين.
وتتمثل هذه الحقيقة في الرغبة الجامحة للمسرحيين العرب في الإمتاح من التراث من خلال استلهام مواده وقصه، سواء كان هذا التراث شعبيا أم رسميا.
ولم تكن العودة إلى التراث تتم من زاوية واحدة، كما لم تكن مواقف المسرحيين العرب من التراث واحدة. ولم تكن أيضا الأهداف والدوافع من وراء الارتماء في حضن التراث العربي واحدة. لكن بغض النظر عن ذلك، لن نكون مجانبين للصواب إذا قلنا إن العودة إلى التراث، كانت ولا تزال تمثل أسهل السبل وأيسرها- في نظر المسرحيين العرب، الأوائل منهم والمتأخرون-، للبحث عن الهوية للمسرح العربي، وذلك في اعتبارهم أن هوية المسرح العربي تكمن في تميزه عن المسرح الغربي الذي يعتبر المعلم والأستاذ المتوفر على الأدوات والتقنيات والأفكار، التي تشكل أكسجين ومقويات المسرح العربي، إن لم نقل الغذاء الذي تتوقف عليه حياة أو موت هذا المسرح. وفي الوقت نفسه يعتبر الغول المخيف الذي يهدد هوية المسرح العربي بالإقبار لوقت طويل.
وفي خضم هذه التساؤلات والإشكالات سنسلك سبيلا في هذه القراءة، نعتقد أنه سيجعلنا نتمكن من تقديم بعض الافتراضات – إن لم نكن من الجرأة في المستوى الذي يجعلنا نقول الأجوبة- بخصوص هذه التساؤلات بالنسبة للسيد حافظ، لا في مسرحياته كلها وإنما في المسرحية المستهدفة بالتحليل " حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الحاكم بأمر الله".
لقد عاد السيد حافظ في هذه المسرحية إلى حقبة تاريخية ضاربة في القدم. وهو ما يشي به عنوان المسرحية، حيث إن أحداث المسرحية لا تكاد تتجاوز الحقبة الزمنية التي استغرقها حكم الخليفة الثالث للدولة الفاطمية، منذ أن وسعت من رقعتها بضم مصر وبناء عاصمتها القاهرة، اللهم إلا بعض الإشارات في بداية المسرحية للتعريف بمدينة القاهرة. وهو ما استدعى الوقوف عند بعض الأحداث البارزة في تاريخ الدولة الفاطمية كذلك، والمرتبطة بتأسيس القاهرة، أو الإشارة التي تنتهي بها المسرحية عند إعلان " الظاهر بالله" الخليفة الجديد بعد وفاة " الحاكم بأمر الله" عن بعض قراراته ، وذلك في النهاية الثانية المقترحة. ولكن هذه الإشارات مقتضبة وموجزة، كان إيرادها لغاية واضحة، سنقف عندها أثناء التوسع في التحليل. لذلك فلا مانع من القول إن الفترة التي قضاها "الحاكم بأمر الله" في الحكم، تشكل مسرح الأحداث من البداية إلى النهاية في هذه المسرحية.
ولتجنب السقوط في الأحكام المتسرعة والنتائج غير المنطقية، ارتأينا في هذا الجانب من القراءة اتباع خطة منهجية محكمة تقوم على محطتين:
أ - قراءة في مضامين" حلاوة زمان":
تتسيج أحداث مسرحية "حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الحاكم بأمر الله" ووقائعها بسياج زمني محدد، ويحتضنها مكان محدد. وشخصياتها أغلبها واقعي كما توحي بذلك أسماءها ووظائفها. وأغلبها أيضا قد أسهبت الكتب التاريخية في وصفها والتعريف بسيرها، الشيء الذي يجعل أي تأويل للمسرحية لمحاولة إسقاطها على الحاضر نوعا من المجازفة التي لن تتحقق دون لي عنق الزجاجة كما يقال.
تبدأ المسرحية بظهور مجموعة من المؤرخين العرب القدماء على الركح ، وقد شرعوا في مستهل المسرحية بتقديم نبذة عن حيثيات تأسيس مدينة القاهرة، والإشارة بشكل موجز إلى الخليفتين" المعز لدين الله" و" العزيز بالله" جد وأب " الحاكم بأمر الله" . وقد اعتمد المؤلف تقنية المسرح داخل المسرح التي يقوم بها في النص المؤرخان المشهوران ابن
سعيد الأندلسي والناصري. فعندما يعمد هذان المؤرخان إلى ذكر بعض خصال وأفعال أحد الخلفاء الفاطميين الذين قد مر على وفاتهم فترة زمنية غير يسيرة،على زمن الحكي، كثيرا ما يتوقف الحكي ويقوم أولئك الخلفاء المحكي عنهم بتقديم أنفسهم من خلال بعض الممثلين. وبوصول ابن سعيد والناصري إلى عهد الخليفة " الحاكم بأمر الله" الذي يشكل موضوع المسرحية، يتركان العنان لشخصياتهم المتعددة لتقديم عهد الخليفة" الحاكم بأمر الله" بمختلف تناقضاته وصراعاته.
وتأكيدا لحضور تقنيتي الحكي والمسرح داخل المسرح في بداية هذه المسرحية التي بين أيدينا نقتبس النصين الآتيين:
" - مؤرخ 4: قال المعز لدين الله الفاطمي لجوهر الصقلي:
( ضوء على المعز لدين الله الفاطمي )
- المعز: يا جوهر لتدخل مصر من غير حرب.. وتبني مدينة تسمى القاهر لتقهر الدنيا.
-1 جوهر: يا سيدي إني أفكر في تسميتها المنصورية"
일- " الناصري: وعندما انتهى تكوين وإنشاء العاصمة القاهرة وانتهى بناء قصورها ومسجدها الجامع الأزهر. ودخل المعز القاهرة عاصمته الجديدة في أوائل رمضان قال للناس:
- جوهر الصقلي: ( يرتدي العمامة ويصبح المعز لدين الله الفاطمي ) أنا المعز لدين الله الفاطمي جئت لمصر لا زيادة في الملك أو المال وإنما رغبة في الجهاد ونصرة المسلمين،وإقامة الحق والسنة"
قلنا في البداية إن أحداث المسرحية ووقائعها- زمنيا- مسيجة بسياج محدد، لأن الفترة الممتدة من 486 ه إلى 511ه . وهي فترة حكم الخليفة " الحاكم بأمر الله"، إلى تشكل الوعاء الزمني لأحداث المسرحية. أما فيما يخص المكان المحتضن لأحداث المسرحية، فهو موزع بين فضاءين اثنين: قصر الخلافة، وحي امبابة ولاسيما دكان فتحي محل الشواء .
وتجدر الإشارة إلى أن المسرحية تقوم على فصلين، يعمدان إلى تتبع الشخصية المحورية " الحاكم بأمر الله" مذ اليوم الأول من حكمه إلى أن تلفظ أنفاسه الأخيرة، لأن " الحاكم بأمر الله" يشكل بؤرة الأحداث الدرامية في هذه المسرحية. فهو يمثل المحور الذي تتلاقى عنده وتفترق جميع الشخوص. فهي جميعها تمتلك موقفا من شخص " الحاكم بأمر الله" ، تسعى بحسب قدراتها إلى تجسيده، إما من خلال الدعاء بأن يديم الله في حياته والتوق إلى الجلوس بين يديه، وإما من خلال عقد المؤامرات والدسائس في الخفاء من أجل الإطاحة بحكمه.
وتركز المسرحية بشكل أكثر على علاقات " الحاكم بأمر الله" برجال الدولة وبرعيته وبأهله، فتصور بشكل دقيق صرامته وقساوته على كل معتد سولت له نفسه مخالفة الأوامر، أو سولت له استغلال منصبه للسطو على أموال الشعب.كما تصور زهده وتقشفه، وإيمانه القوي، وكذلك اختلاطه بالرعية والاستماع إلى شكاواهم، وغير ذلك من الأمور التي تظهر الخليفة بمظهر الحاكم العادل والمؤمن القوي، ولم يكلف السيد حافظ نفسه عناء تطعيم مسرحيته بأحداث سياسية كانت تحدث في الدولة الفاطمية المترامية الأطراف، كالفتن التي كانت تشتعل في الشام و طرابلس، لاسيما ثورة أبي ركوة التي كادت أن تطيح بالدولة الفاطمية كما تذكر الكتب التاريخية.
فالمسرحية لا تتحدث عن عهد خلافة " الحاكم بأمر الله" برمته، بل تتحدث – وإن قلنا إن هذا العهد يشكل الوعاء الزمني لأحداث المسرحية- عن أحوال القاهرة وحاكمها وأهلها زمن الخليفة " الحاكم بأمر الله".
ب- الكيفية التي تعامل بها السيد حافظ مع التراث في " حلاوة زمان":
إذا كان التراث أهم مصدر يستهوي المبدعين المسرحيين، فإن الكيفية التي يتم بها توظيف التراث في الأعمال المسرحية تختلف من مسرحي إلى آخر، بل حتى من عمل مسرحي إلى آخر للمبدع الواحد، وذلك بسبب اختلاف الرؤية التي ينظر بها إلى التراث، وبسبب اختلاف الخلفية الأيديولوجية والفكرية لأي مبدع،و بسبب اختلاف الأهداف أيضا من وراء استحضار التراث من عمل مسرحي إلى آخر.
لكن هذا الاختلاف والتعدد لا يمنعنا من تحديد ثلاثة مواقف من التراث لدى المسرحيين العرب وهي :
*- اللجوء إلى التراث ( خصوصا التاريخ) بقصد التفاخر بالأمجاد، أمام ما أصبح يعيشه المجتمع العربي من فساد في جميع القطاعات. فكانت العودة إلى التاريخ السلاح الوحيد في أيدي المسرحيين العرب لإبراز كيف أن التخلف صفة طارئة على المجتمع العربي، ولم تكن ملازمة له.
*- إعادة تفسير بعض الأحداث التاريخية من منطلقات جديدة، وفق خلفيات أيديولوجية معينة ينطلق منها الكتاب، وإعادة كتابة التاريخ بسبب شعور رجال المسرح " بأن المؤرخين لم يكونوا أمناء في كتابتهم التاريخية لأسباب سياسية ودينية ومذهبية، وأغراض خفية" .
*- التعامل مع التراث باعتباره مادة خصبة لاستقاء مواقف وأبعاد يتم إسقاطها على الحاضر. وهنا يصبح التراث مجرد رموز لتناول قضايا معاصرة.
وفيما يخص "حلاوة زمان"، فيمكن أن نقول إنها تندرج ضمن المستوى الثاني في التعامل مع التراث. فالسيد حافظ عاد إلى العهد الفاطمي،وخاصة المرحلة التي حكم فيها " الحاكم بأمر الله"، ليرفع الضيم عن هذه الشخصية التي طالما تصدت لها أقلام المؤرخين والمبدعين بالسب والتجريح، وليعيد الاعتبار إليها من خلال التركيز على الجانب الخيّر فيها، كما يقول في أحد النصوص التي صدر بها مسرحيته.
ولم يكن السيد حافظ هو أول من جعل "الحاكم بأمر الله" موضوعا لعمل مسرحي، بل سبقه في ذلك مسرحيون عرب آخرون وعلى رأسهم علي أحمد باكثير، وإبراهيم رمزي. إلا أن جل المبدعين في مختلف مجالات الإبداع نظروا إلى " الحاكم بأمر الله" باعتباره خليفة شاذا ومجنونا، وصاحب القرارات الطريفة و المثيرة للدهشة والضحك. وجاء السيد حافظ ليكسر هذا التقليد، ويقدم هذا الخليفة في صورة مختلفة تماما.
" الحاكم بأمر الله" من أغمض الشخصيات التاريخية التي تتضارب حولها الأخبار، إلى درجة يمكن معها الوقوف عند صورتين متناقضتين له، إحداهما يظهر فيها قاتلا، وسفاكا للدماء، ومجنونا وملحدا...، والأخرى يظهر فيها حاكما عادلا محبا لشعبه، مؤمنا صادق الإيمان، وزاهدا عن ملذات الدنيا...، يتناوله بعض المؤرخين بالمدح والثناء، ويرفعوه " إلى ذروة المجد، بينما يتناوله الآخرون بالنقد والتجريح والطعن في نسبه وشخصيته بما يتنافى والآداب والأخلاق."
وهذه المسرحية التي بين أيدينا تظهر "الحاكم بأمر الله" في الصورة الثانية. فمنذ صغره وعلامات الفطانة والذكاء والعدل تظهر عليه من خلال أفعاله، إذ وهو لم يتعد الخامسة عشر من عمره والسنة الرابعة في حكمه، أقدم على فعل خطير ومهم، يتمثل في إعدام أحد أبرز رجال الدولة وأكثرهم نفوذا هو برجوان. فبعد انتشار خبر الإعدام بين الناس، سمعت زغاريد وشوهدت جموع تجري في الشوارع فرحة ومرددة الخبر، ونسمع الحوار الآتي :
فتحي : الله أكبر.. الله أكبر.. الحاكم ظهرت علاماته وكراماته وقتل الوصي الظالم. الحاكم ظهر رقصني يا جدع.. أرقص يا قسام يا ملك الشام.(...)
فتحي: الحاكم مش عبيط ولا مجنون الحاكم عدل.
قسام: مع أنه صغير السن فهم أن الوصي ظالم دا سبق آوانه. عبقري من وادي عبقر"
وتمضي المسرحية على هذا النهج في سبيل إبراز عظمة هذه الشخصية، إذ في جميع سلوكها، تمثل المثل والقدوة لكل الحكام الذين تتمناهم الشعوب المستضعفة، باستثناء بعض مواقفه التي يبدو فيها صارما، وقاسيا أكثر من اللازم، وكذا انسياقه وراء إغراءات المغنية اللعوب الفائقة الجمال " عزيزة"، ليكفر بعد ذلك عن ذنبه بإعدامها، وإعدام آلاف من الراقصات اللائي اعتبرهن سبب البلاء وانتشار الفساد.
هكذا إذن، حاول السيد حافظ أن يعيد الاعتبار " للحاكم بأمر الله" الذي شغل الدنيا على مر العصور، إلى أن نسجت حوله الحكايات والأساطير والمستملحات والنوادرو فقد حرص السيد حافظ على جعل أحداث المسرحية ووقائعها متصلة بالمرحلة التاريخية لحكم " الحاكم بأمر الله"،إذ تبدأ ببعض الإشارات التاريخية إلى " المعز لدين الله" و" العزيز بالله" ، لأن الأول هو مؤسس القاهرة، والثاني هو المساهم في توسيع بنيانها. وهذه المسرحية تشكل القاهرة بالنسبة إليها الفضاء المحتضن لأحداثها. لذلك كانت الإشارة إلى تاريخ القاهرة أمرا مهما رغم الإشارة الأخيرة في المسرحية إلى " الظاهر بالله" الذي تولى الخلافة بعد " الحاكم بأمر الله"، وأصدر مجموعة من القرارات التي تحيل إلى أن ما بناه " الحاكم بأمر الله" في خمس وعشرين سنة، قد هدمه ابنه في ظرف وجيز، ولم يكن فيه الشعب قد صدق بعد نبأ اغتيال خليفتهم. ونقرأ في المسرحية:
" الظاهر: أمرنا بفتح الخمارات وشرب الخمر.. وعودة بيع العبيد.
( في بقعة ضوء مع المنادي )
فتحي: ما تقولش مات
قسام: ما تقولش الحاكم مات.
فتحي: الحاكم متخفي وحيرجع تاني ."
ونقرأ في المسرحية أيضا بعض المقاطع التي تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى الهدف من الكتابة عن " الحاكم بأمر الله": الهدف الذي أشرنا إليه سابقا، وهو رفع الضيم عن هذه الشخصية، ومحاولة إعادة الاعتبار إليها. و نفهم من تلك المقاطع أن تطبيقه العدل بالكيفية التي دفعته إلى تطهير الدولة الفاطمية من آلاف المفسدين والظالمين بقطع رؤوسهم ومصادرة أموالهم ووضعها في بيت المال ليستفيد منها الفقراء ، هو ما جعل المؤرخين – الذين هم في أغلبهم يمثلون أقلاما مأجورة- يشوهون حقيقة " الحاكم :
" شهبندار التجار: ( يضحك) الحقائق لا يكتبها التاريخ والحقيقة دائما
مجهولة، أموالنا التي أخذتها منا هي التي ستحرقك أموالنا
تكتب التاريخ كما نهواه نحن وكما نراك نحن... سنجعل
الكتاب ينكلون بك تنكيلا ( يضحك الجميع) " .
أخيرا أشير إلى أن السيد حافظ إذا كان قد انبرى للدفاع عن " الحاكم بأمر الله"، فإنه أساء بالمقابل إلى ابنه " الظاهر بالله" الذي قدمه في آخر المسرحية على أنه بمجرد وفاة أبيه سارع إلى فتح الخمارات، وإلى الأمر بشرب الخمر والعودة إلى المتاجرة بالعبيد. فربما سيأتي مسرحيون آخرون مستقبلا ينبرون للدفاع عن " الظاهر بالله" من خلال ما لحقه من إساءة من لدن السيد حافظ، وإن كان هو لم يقصد الإساءة إليه بقدرما أراد إبراز" الحاكم بأمر الله" رجلا شاذا في مجتمعه، فيما يخص تطبيق العدل والقضاء على الفساد. فقد انقلب الأمر. فالشاذ هو الذي يصر على تطبيق العدل والقضاء على الفساد في زمن كان آخر ما يفكر فيه الحكام هي هذه الأمور.
II – اللـــغة:
أثارت طبيعة اللغة في مختلف المجالات الإبداعية - وبشكل أكثر حدة في المسرح- في الوطن العربي زوبعة من ردود الأفعال. خصوصا بعد أن ظهرت ثلة من المثقفين والمسرحيين، يدعون إلى استعمال العامية من أجل تحقيق تجاوب أكثر مع الجمهور، والتمكن من الالتحام بقضايا الطبقات الشعبية وهمومها. وهذا ما أثار حفيظة كثير من المثقفين والمبدعين الذين يزعمون أنهم يتحركون من منطلق الدفاع عن لغة الضاد: لغة القرآن، وأن اللغة الإبداعية يجب أن تحافظ على صفائها وجمالها من خلال المحافظة على فصاحتها.
أما السيد حافظ في هذه المسرحية، فقد وظف اللغة بشكل زاوج فيه بين العامية والفصحى، وذلك بحسب ما يستدعيه المقام. فثقافة الشخصية وموقعها الطبقي هو ما يحدد اللغة التي تتواصل بها الشخصية. كما تساهم الفضاءات والأمكنة هي الأخرى في تحديد طبيعة اللغة التواصلية. فالحي الشعبي امبابة ليس هو قصر الخلافة. وهكذا نجد " الحاكم بأمر الله" عندما يكون في دكان فتحي بأحد الأحياء الشعبية في القاهرة،يتخلى عن الفصحى ويشارك جلساءه الحديث بالعامية. وفي هذا دلالة على حب الخليفة لشعبه، فينزل إلى مستواهم، ومن ثم يزول بينه وبين رعيته حاجز الرهبة والخوف، فيتجرأ الجميع على الإفصاح عن مواقفهم أمامه.
III- الإرشادات المسرحية:
إن النصوص المسرحية الحديثة تلجأ إلى ما يسمى بالإرشادات المسرحية، أو المعينات الركحية بشكل لافت.و هذه المعينات تقوم بوظائف متعددة. وقبل الوقوف عند أهم تلك الوظائف من خلال مسرحية "حلاوة زمان"، أشير إلى أن أهم دور تقوم به هذه المعينات هو جعل المتلقي يستحضر في ذهنه -وهو يقرأ النص المسرحي- كيفية اشتغال الحكاية على الخشبة المسرحية أثناء العرض، خاصة إذا كان المؤلف يجمع بين التأليف والإخراج.
والمتصفح للمسرحية التي نحن بصدد تحليلها، سيجد عددا هائلا من المعينات الركحية التي تعج بها المسرحية. وبالوقوف عندها وقفة تفحصية تحليلية، يمكن تحديد أهم وظائفها في سبع:
1- تأثيث الركح: أي تحديد مواصفات الديكور والسينوغرافيا فوق الخشبة المسرحية. ومن بين الإشارات التي تقوم بهذه الوظيفة- وهي كثيرة جدا- نجد ما يلي :
-1 " في مكان مرتفع على المسرح وأمامه مجموعة من العمائم"
-イ " يتغير الديكور إلى حي امبابة.. دكان كتب عليه محل الشواء لصاحبه فتحي صاحب الآداب.. يجلس بجوار المحل قسام التراب يشرب الشيشة .. بعض الناس تشتري وتمشي.. مصباح كبير معلق أمام الدكان"
-ロ " تخرج الناس تحمل رقعة جلد مكتوب عليها الشكاوى وتلتف حول الخليفة"
1- تقديم تصور حول حركة الممثلين فوق الخشبة المسرحية،و الإشارات التي تقوم بهذه الوظيفة كثيرة، نذكر:
-1 " ناس تجري يمينا ويسارا"
-イ " يجري خارج المسرح"
ابن عمار يدخل في صراع بالسيف مع برجوان..حتى يهرب ابن عمار من أمامه"
1- تحديد الإنارة: يركز السيد حافظ على الإنارة بشكل كبير نظرا لما تقوم به من تحديد للأزمنة، لأن أحداث المسرحية تقع في الليل والنهار والفجر والظهر...
وهو الأمر الذي يتطلب تغيير مستويات الضوء. ونذكر أيضا ثلاثة أمثلة من المعينات الركحية الواردة في المسرحية التي تقوم بهذه الوظيفة:
- " الاثنان في بقعة ضوء"
- " شوارع القاهرة عند دكان شواء الأزرق ليلا..الأضواء خافتة.. صوت الكلاب" " ضوء الفجر"
-イ " على المسرح ظلام شديد بقعة ضوء على شهبندار التجار وابن دواس وابن حسيب شاب صغير"
1- تقديم تصور حول لباس الشخصيات:
-1 " يدخل رجل يخلع ملابسه في الطريق متجها للحمام"
-イ " الحاكم لا يرتدي ملابس تنكرية"
-ロ " يدخل الحاكم بفوطة على رأسه وملابس متواضعة على جسده"
1- تحديد طبيعة الكلام: أي هل هو صراخ أو همس أو خطاب... إلى غير ذلك، ونمثل لذلك بما يلي :
-1 " في تابلوه استعراضي غنائي ينادي أهل حي امبابة يا ناس ..."
-イ " فتحي وقسام يتقدمان ويهمسان"
-ロ " تتحدث بالفصحى.. تتوحد الأرواح"
1- تحديد تموضع الممثلين فوق الخشبة المسرحية:
-" يظهر غين على المسرح وهو رئيس الشرطة وخلفه جرجاني مساعده"
-1 " يخرج إلى المستوى الثاني يصعد إلى سور القلعة"
-イ " يتجه للنافذة" " أو إلى صالة الجمهور"
1- توزيع الأدوار على الممثلين: يلجأ السيد حافظ أحيانا عندما يريد إبراز شخصية جديدة في الأحداث، إلى تحديد الممثل الذي سيؤدي دور هذه الشخصية، والذي يكون بطبيعة الحال قد مثل دورا آخر، أو لا يزال يمثل دورا ما، فيقوم بدورين وربما أكثر، و مثال ذلك:
-イ " يدخل أربعة من العبيد ويحملون العزيز مصابا والذي يمثل دوره
-1 جوهر الصقلي"
-イ " ابن سعيد والناصري يمثلان مع الشخصيات"
-ロ " يمثله الشاب الذي مثل دور الحاكم صغيرا"
الخـــاتمــة :
يغلب على " حلاوة زمان" للسيد حافظ الطابع الكلاسيكي، خصوصا فيما يتعلق بوحدة كل من الحدث والزمن والمكان. كما نلمس فيها تلك الخاصية المعهودة في المسرحيات الكلاسيكية المتمثلة في نمو الأحداث في اتجاه واحد، بموازاة مع التسلسل الزمني المتصاعد، إذ تبدأ بحدث يتمثل في تقليد " الحاكم بأمر الله" منصب الخلافة بعد وفاة أبيه " العزيز بالله" ، فيمضي في النمو إلى أن يبلغ الذروة ، ثم ينتهي إلى حل يكشف عن عظمة الشخصية التاريخية موضوع المسرحية.
لكن بجانب ذلك تحضر بعض تقنيات الاتجاهات المسرحية الحديثة، من قبيل تقنية السرد، وكذا تقنية أداء الممثل الواحد لأكثر من دور، وتقنية المسرح داخل المسرح... ،وهي كما هو معروف، قد وظفتها بعض الاتجاهات المسرحية الغربية الحديثة، وإن كان التراث العربي الشعبي يزخر بالكثير منها، وهو الأمر الذي جعل المسرحيين العرب لا يرون حرجا في الاستفادة منها، بموازاة مع دعوتهم إلى البحث عن صيغة مسرحية عربية الهوية.
لائحة المصادر والمراجع :
일- الكتب:
1- د. سامح مهران، المسرح بين العرب وإسرائيل، ط1، 1992.
2- لسيد حافظ، حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الحاكم بأمر الله، مركز الدلتا للطباعة، د.ت.ط
3 - عارف تامر، الحاكم بأمر الله: خليفة- إمام- مصلح، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ط1، 1982.
المجلات:
1- العربي، العدد 477، فبراير 1996:
2- حوار بين أحمد عنتر مصطفى وسعد الدين وهبة.
3- الوحدة، العدد 94/95، يوليو/ أغسطس 1992:
4- مقال لمحمد عزام: توظيف التراث في المسرح العربي الحديث والمعاصر.
5- مقال لمحمد مسكين: المسرح العربي الحديث بين ضياع الهوية وغياب الرؤية التاريخية.
مسرحية " إشاعة " تجربة البحث عن الحقيقة
نصيـــرة يعقـوبـــي
توطئــــة :
يقول عبد الكريم برشيد:" إن المسرح فضاء الإمكان وليس فضاء المحال، كل شيء فيه ممكن، وبذلك يكون محيطا بلا ضفاف. وان لاكتشاف قضاياه يتطلب ركوب الغامرة، يتطلب الترحال السندبادي بحثا عن الجزر البعيدة والغربية والعجيبة. وإن الإنجازات التي حققها المسرح العربي – لحد الآن – لا تمثل شيئا خطيرا، لأن الأخطر والأهم هو ما يمكن الكشف عنه الآن أو بعد الآن"
لقد استجاب السيد حافظ إلى دعوة هذا الباحث، فزود المكتبة العربية بصفة خاصة والعالمية بصفة عامة بإبداعات مسرحية متميزة طابعها التجديد والمختلف. فإذا كان " الاتباع خير من الابتداع"، و" الابتداع أخطر من الاتباع" كما قال أبو حيان التوحيدي، فإن مبدعنا اختار الطريق الأصعب وركب الأخطر فلم يكن متبعا بل مبتدعا.
والحديث عن الابتداع في أعمال السيد حافظ المسرحية يحتاج إلى جهود جبارة ويتطلب مجلدات ضخمة. لكن " مالا يدرك كله لا يترك جله". لهذا سنحاول الوقوف عند بعض مظاهر التجديد في إنتاجاته المسرحية من خلال نموذج بعينه. فالبحث في موضوع ما كلما كان محصورا إلا و كان دقيقا وعميقا.
وبناء على ذلك، فقد اخترت مسرحية " إشاعة" لتكون جوازا لإثارة بعض القضايا الفكرية التي طالما شغلت السيد حافظ، فكانت هاجسه في جل أعماله المسرحية. إنها قضية أو " تجربة البحث عن الحقيقة وإعادة كتابة التاريخ". ترى ما هي الحقيقة التي بحث عنها السيد حافظ؟ وكيف بحث عنها؟ و ما هي أسس إعادة كتابة التاريخ؟ وهل بالإمكان القيام بذلك؟
تلك هي بعض الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها من خلال محورين كبيرين: يتعلق المحور الأول بالقضايا الفكرية والمعرفية التي تحفل بها مسرحية " إشاعة". أما المحور الثاني، فيتمثل في الجوانب الجمالية والأبعاد الفنية، أو بالأحرى " القالب الفني" كما يسميه توفيق الحكيم – الذي صب فيه السيد حافظ تلك القضايا الفكرية، و " القراءة من فوق أو من خارج الإبداع لا يمكن أن تثمر غير الضباب... يمكن أن تكتب عن الشعر وأنت لست بشاعر، ويمكن أن تكتب عن القصة وأنت لست بقصاص، ولكنه لا يمكن أن تكتب في المسرح وعن المسرح إلا من داخل المسرح" .
فالمسرح ليس نصا وحسب، بل هو نص وعرض. ولا يتحقق النص إلا بالعرض. وبذلك فإنني سألج عالم السيد حافظ من خلال مسرحيته " إشاعة" وأنا مؤمنة بأن التعامل مع نص مسرحي يختلف عن التعامل مع نص شعري أو نص قصصي أو روائي.
1- القضايا الفكرية والمعرفية في مسرحية " إشاعة":
1-1- ملخص المسرحية:
تعالج مسرحية " إشاعة" إحدى الآفات الاجتماعية التي تهدم أواصر المحبة. إنها آفة " الإشاعة" كما تدل على ذلك عتبة العنوان. وقد حاول السيد حافظ معالجة هذا المرض الاجتماعي والنفسي انطلاقا من مؤسسة التعليم التي هي العمود الفقري لكل مجتمع. وقد تمثل دور هذه المؤسسة في شخصية الدكتور مصباح الزمان الذي كان هاجسه نشر الوعي بين الطلبة ودعوتهم إلى إعادة كتابة تاريخ بلدهم .
التف حول هذا الأستاذ مجموعة من الطلبة، تأتي على رأسهم الفتاة التي تشارك أستاذها بطولة المسرحية، هذه الفتاة التي مثلت دور القروية المثقفة، والتي كان لعمها المتوفى الفضل في مواصلة دراستها.
وستعيش هذه الفتاة صراعا حادا نظرا للإشاعات التي التصقت بها وبأستاذها مصباح الزمان. وسيكون لتلك الإشاعات عواقب وخيمة، إذ ستؤدي إلى بث الشك في نفوس أفراد عائلة الفتاة وعلى رأسهم ابن عمها وخطيبها. فما إن يأتي هذا الخطيب للاعتراف لخطيبته بخطئه وبأنها شريفة، حتى تعلو الإشاعة فوق الحق، إذ تدبر مكيدة أخرى تتمثل في اتهام الفتاة بإنجاب طفل، حيث نسمع في آخر المسرحية صوت طفل يبكي فتنتهي المسرحية بطلقات نارية.
1-2- أهم التيمات والقيم الفكرية في مسرحية " إشاعة".
لقد تعددت تيمات هذه المسرحية وتنوعت، إذ تطرح أكثر من قضية اجتماعية وسياسية. فإذا كانت التيمة الرئيسة هي تيمة " الإشاعة"، فعن هذه التيمة تتولد عدة قضايا مثل قضية: فقدان الثقة، والخيانة والصدق وحسن النية، وقضية الصراع بين المدينة والقرية. وهناك قضية الحث على الصبر والتضحية في سبيل المبادئ والقيم، وضرورة الإيمان بالقضية التي ندافع عنها.
ولتبين الأمر، لابد من الوقوف عند بعض هذه التيمات بشيء التفصيل والتحليل.
لعل أول تيمة نصادفها هي تيمة " الإشاعة"، هذه التيمة التي عانى بسببها كل من الدكتور مصباح الزمان والفتاة صراعا خطيرا بينهما أولا، وبين باقي شخوص المسرحية ثانيا.
لا يخفى على أحد أن السلطات كلما ظهر من يهدد مركزها، إلا وحاولت تنحيته بشتى الوسائل. ولعل هذا ما حاولت مسرحية " إشاعة" معالجته، إذ لما كان مصباح الزمان والفتاة مؤمنين بمبادئهما وطموحاتهما في إعادة كتابة التاريخ من جديد، ومحاربة كل من يقف ضد المبادئ والقيم النبيلة، قام بعض الأفراد الموالين للسلطة السياسية، الذين مثلهم كل من الصحفي أبو الكلام، والأستاذ فهمان بنشر الإشاعات حولهما للإطاحة بمكانتهما والنيل من سمعتهما. وقد كان لهذه الإشاعات بالغ الأثر في أفراد عائلة الفتاة، تمثل ذلك الأثر في الصراع بينها وبين خطيبها، وبينها وبين أخيها وأبيها وأمها وجيرانها. ويظهر الصراع بينها وبين خطيبها في الحوار الآتي:
ابن العم : بيقولوا انك مصاحبة واحدة اسمها بهية.
الفتاة : أيوه دي زميلتي في الكلية.
ابن العم : ولها أخ اسمه يونس.
الفتاة : ماشفتوهوش.. لا أفتكرت أنا شفت صورته مع بهية.
ابن العم : اعترفي.
الفتاة : بايه.
ابن العم : بأنك تعرفيه.
الفتاة : قالوا أني أعرفه.
ابن العم : أيوه وبتحبيه .
ويستمر الحوار حيث يطلب ابن العم من خطيبته مقاطعة علاقتها بزميلتها. وبعد أخذ ورد تقرر الفتاة التضحية بالصداقة في سبيل الحفاظ على خطيبها الذي يمثل حلم الغد بالنسبة إليها. وهو ما يظهر من خلال قولها: " أنت حلمي لما أخلص دراستي.. نفتح بيتنا.. ونعلم أولادنا.. نزرع الأرض" .
فنلاحظ كيف تتولد عن التيمة الكبرى تيمات صغرى، مثل التضحية والتشبث بالأمل وغيرهما. ومن نماذج الصراع بين الفتاة وأخيها ما يعكسه الحوار الآتي:
الأخ : مش حاسه الناس يتقول عنك إيه.
الفتاة : قوللي يا خويا.. بيقولوا إيه عني.
الأخ : بيقولوا أنك بترجعي متأخرة.
الفتاة : ساعات..الأتوبيس والزحمة.. واحنا في الشتاء والعتمة بتجي بدري
الأخ : الناس بترقبك بعيونها.. قالوا انك بتخرجي من الصبح للمسا.. والبنت في الغربة لوحدها ممكن تعمل اللي على كيفها.
الفتاة : أنا.. وأنا اختك.. لحمك.. ودمك.. كفك.. قدمك.. وعينيك.. ياعيني عليك.. فاكر واحنا صغار... الجنينة والساقية والأشجار.
الأخ : دا كلام أشعار .
لكن وبعد مراقبة هذا الخ لأخته، اتضح له أنها شريفة، فاسترجع ثقفته بها وهو ما يعبر عنه هذا الحوار:
الفتاة : إيه يا خويا ابن أمي وأبويا جاي تراقبني.
الأخ : انتي عرضي لحمي.. دمي.. من حقي أشوف بتعملي إيه.
الفتاة : وبقى لك كام يوم على الحالة دي؟
الأخ : تلت تيام.
الفتاة : شفت إيه في التلت تيام؟
الأخ : ما شفتش اللي شافوه ولا عرفت اللي عرفوه وح ارجع إيد ورا ويد قدام .. لا عارف ولا فاهم حاجة.
الفتاة : ندمان أني شريفة.
الأخ : لا يا أختي فرحان.
الفتاة : أمال إيه.
الأخ : سامحني الإشاعة بتبقى أقوى من الحقيقة والكذب له ألف ايد وألف لسان.. والحقيقة دايما مع أنها قوية تبقى مختفية مع أنها ظاهرة بس مغطيها التراب .
فالملاحظ أن السيد حافظ يحاول الدفاع عن الحق والحقيقة رغم الصعوبات التي تحول دونهما. فهو" من الكتاب الذين يحملون مسؤولية الغد على أكتافه وفي أعناقه، فهو يخوض غمار معركة الحق والحقيقة والأشياء الخالدة، ويرفض أن يكون ملتزما بالأفكار المجردة أو بإطالة التفكير المجرد، فمسرحه يتكلم عن كل الأزمات الإنسانية فهو يتكلم عن قضايا إنسانية متعددة" .
لقد حاول السيد حافظ في جل أو كل مسرحياته معالجة الواقع المصري بصفة خاصة والواقع العربي بصفة عامة، هذا الواقع الذي عاش ومازال يعيش أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ومسرحية " إشاعة" تعكس جوانب من هذه الأزمات يمكن تمثلها فيما يلي:
أ- الواقع السياسي:
يتمثل هذا الواقع في تسلط السلطة الحاكمة التي حاولت حصر تفكير مصباح الزمان وجماعته. فللقضاء على الثورة ضد الواقع المتردي قامت السلطة بإنشاء وسائل للترفيه والتسلية بغية تجريد المواطن من الوعي السياسي وتحويله إلى إنسان سلبي جامد الفكر فارغ الذهن ولعل هذا ما يعكسه الحوار الذي دار بين الرجل المهم : و مصباح الزمان :
الرجل المهم : إيه يا مصباح الزمان ... أنت عايز تحرض الولاد...الولاد بتحب ديسكو.. و الأغاني البرتقالي و سندوتشات الهمبورجر..
مصباح الزمان : دول ايدنا بكره..عنين بكره
الرجل المهم : دا كلام شعر..احنا امبارح و النهاردة و بكره
مصباح الزمان : لابمكن نحمي الأوطان بجيل أرانب و قرود
الرجل المهم : أنت زودت الحدود ..احنا عايزين جيل مسالم بيحب السلام جيل ما بيحبش المزايد و الحوار و الكلام.
مصباح الزمان : قصدك جيل أخرس .. جيل من العميان ..يبقى على الدنيا السلام
فالسلطة الحاكمة كما تعكسها المسرحية سلطة متسلطة و متجبرة، ترفض التغيير و تنشد الاستمرارية و البقاء (احنا امبارح و النهاردة و بكرة).
فهي سياسة تسعى إلى خلق مواطن أخرس، مشلول التفكير.
ب- الواقع الاجتماعي:
الواقع الاجتماعي واقع مليء بالآفات والأمراض النفسية و الاجتماعية، مثل انتشار الافتراءات و الأكاذيب، و انعدام الثقة والأمن و الصدق. وقد عكس لنا السيد حافظ في مسرحيته هذه نموذجين من هذا الواقع .
النموذج الأول : و تمثله القرية حيث يعيش الفلاح البسيط المرتبط بأرضه، و المحب لعائلته و أقاربه ووطنه، المقتنع بقوت يومه.
النموذج الثاني : تعكسه المدينة بكل تعقيداتها و آلياتها المتطورة و أحلام أبنائها الزائد عن الحدود.و يتجلى هذا الواقع بنموذجيه في الحوار الذي دار بين الفتاة و الطالب الفاسد:
الطالب الفاسد : تسمحي لي أتكلم معاكي في موضوع حساس شويه
الفتاة : اتفضل.
الطالب الفاسد : بصراحة أنا بقالي مدة مراقب طلوعك و خروجك.. مشيك.. كلامك.. حوارك أفكارك.
الفتاة : الله ..الله وليه كل دا.
الطالب الفاسد : أنا بصراحة و بدون فصاحة عايز أطلب ايدك .
الفتاة : "تضحك " آسفة أصل أنا مخطوبة.
الطالب الفاسد : عارف .. دا جواز مش متكافئ .. واحدة زيك فاهمة و عارفة و مستنيرة و دخلت في أحضان المدينةمش معقول تربط مستقبلها بشاب فلاح.
الفتاة : بتقول فلاح ..ما هو أنا فلاحة.. واحنا كلنا فلاحين. مصر كلها و أصلها فلاحين.
الطالب الفاسد : هنا القاهرة ..هنا العاصمة.. هنا التلفزيون والعربيات والحركة الثقافية والخدمات المتطورة
الفتاة : في كفرنا الناس لغيت الحمير و ركبت عربيات نقل وغسالات بالكهرباء .. بطلوا يخبزوا و بنستورد الخبز من المدينة.. أنت فاكر كل حاجة زي ما كانت .
زمان.
الطالب الفاسد : ماهو دا كويس بس القرية قرية و المدينة مدينة و أنت هنا تتقدري وتتغندري وأقدر أخليكي أسعد انسانة .
الفتاة : تفتكر ايه يخليني اسيب ابن عمي و أخدك.. شقة على النيل ..مش حلمي ..عربية مرسيدس مش حلمي.. بيت صغير جنب غيط أبويا يبقى تمام.
ج- الواقع الثقافي :
تعكسه طبقتان : الطبقة المتنورة، و يمثلها كل من مصباح الزمان و الفتاة. و الطبقة المتحجرة، و يمثلها الطالب الفاسد، والصحفي أبو الكلام و الزميل سمعان النعمان، و مشتاق الزمان، و الرجل المهم. وهم يعكسون الصورة السلبية للمثقف العربي الذي ينساق وراء الملذات، و يبيع كرامته و قضايا أمته من أجل الماديات.
و من أدلة الواقع المتردي، قول الرجل المهم مخاطبا مصباح الزمان:"اسمعني أنت ما تقول كلمتين في إطار المنهج وبس و الشباب سيبهم.. بس سيبك من الانشا و المقالات و الشعارات"
لقد اتخذ السيد حافظ من المسرح واجهة نضالية ضد كل آفات المجتمع. وإذا كانت الاحتفالية كما يقول مصطفى رمضاني " ترفض كل تركيز للمسرح على الخطاب الأيديولوجي فقط، فإن ذلك لا يعني أنها لا تملك موقفا إيديولوجيا من الصراع الاجتماعي فكل بياناتها تلح على أن يكون المسرح مؤسسة شعبية يساهم فيها الشعب بكل مكوناته الفكرية و الإيديولوجية، إلا أنها ترفض أن يقوم هذا المسرح على الأسلوب الشعارتي و على التحريض، لأنه أسلوب يستفز المتلقي من قنوات تستهدف التأثير العاطفي " .
و لعل هذا ما حاول السيد حافظ تجنبه مؤمنا بمعا لجة ما هو معاصر و آني، " لأنه كلما عبرت الكتابة الدرامية عن زمن حياتنا المعقدة بزمن مسرحي ساذج و تبسيطي أصبح مسرحنا تافها و غير محتمل"
أجمع الدارسون على أن كتابات السيد حافظ "تدور ..دائما حول الإنسان المعاصر ..الإنسان المطحون بين الأمل و الاكتراث لذلك فهو يهتم اهتماما كليا بمشكلة الإنسان المعاصر و الضغوط الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية الملقاة عليه و يحاول أن يقتحم هذه العوالم في داخل الانسان. إن في كل مسرحية من مسرحياته تجد أنه يبذل مجهودا كبيرا وحقيقا في البحث و الكشف و التنقيب و النظر الثاقب و الصبر النافذ عن معاناة الانسان المعاصر"
1- 3- التراث في مسرحية " إشاعة "
لعل أهم ما يتميز به السيد حافظ هو القدرة على توظيف التراث في أعماله المسرحية، و قد حظيت مسرحيته " إشاعة " بحضور نوع من التراث الشعبي المتمثل في الأمثال الشعبية. من ذلك ما جاء على لسان الأب "صباح الخير ياجاري..أنت في حالك و أنا في حالي" .
وعن توظيف التراث الشعبي يقول إحسان عباس:" للتراث الشعبي ميزة هامة لأنه تراث قريب حي، و حين يلجأ إليه الشاعر لا يحسن أنه مثقل بما في الماضي الطويل من خلافات ومشكلات" .
و يقول محمد إبراهيم أبو سنة في كتابه:" فلسفة المثل الشعبي": و المثل كأي مظهر من مظاهر الفكر الشعبي هو موقف صادق يختزن وجهة نظر قد لا تكون في الامتداد الايديولوجي السليم و لكنها تحمل غبار التجارب الاجتماعية المادية، و المثل كتعبير يصوغ الموقف المادي بلا وساطة نظرية"
و تجدر الإشارة إلى أن أهمية التراث لا تقتصر على الجانب الفكري و المعرفي وإنما تتعداه إلى الجانب الجمالي، فالمثل الشعبي على سبيل المثال يخفف من جفاف الفكرة و يعطيها صبغة جمالية تستهوي القارئ أو المشاهد.
و من الخصائص التي تتميز بها أعمال السيد حافظ أيضا استحضار الشخصيات التاريخية. فمن الشخصيات التي و رد ذكرها في هذه المسرحية شخصية صلاح الدين الأيوبي.و يتجلى ذلك في قول مصباح الزمان للفتاة":اسمعي عايزك تعملي بحث عن مصر المملوكية أو عن صلاح الدين لما حلم بمصر" .
وأهمية العمل المسرحي لا تكمن في جانبه الفكري و الإيديولوجي فحسب، بل تكمن في الجانب الجمالي و الفني أيضا. فما هي الخصائص الجمالية التي تميزت بها مسرحية "إشاعة"؟
2-الأبعاد الجمالية و الفنية في مسرحية "إشاعة" :
يمكن رصد هذه المكو نات الجمالية انطلاقا من العناصر الآتية:
-البناء الدرامي للمسرحية، و الشخصيات، و الفضاء المسرحي، و الصراع الــدرامــي، و الحــوار، و اللغة.
2 -1: البناء الدرامي للمسرحية.
إن القراءة العجلى للمسرحية توحي بأن بناءها شبيه بالبناء الدرامي للمأسـاة عند أرسـطـو، الذي يقوم على بداية ووسط ونهاية. إلا أن الدراسة الفاصحة تثبت عكس ذلك، إذ إن في المسرحية تسلسلا و تطورا للأحداث. لكن هذا التطور لا يخضع لتسلسل منطقي. فالسيد حافظ لو كان مقلدا لما افتتح مسرحيته بتلك الافتتاحية التي تعكس منذ البدء العلاقة الطيبة بين الفتاة و الأستاذ مصباح الزمان .
لقد انتهج السيد حافظ منهجا فريدا من نوعه، أساسه التوفيق بين ما هو فكري و جمالي. و تلك إحدى مميزات المسرح التجريبي أو الطليعي ."إن من خصائص المدرسة الطليعية التمرد و الثورة على قوالب.. المسرح القديم أو الكلاسيكي و أيضا رفض للمدرسة الطبيعية الواقعية. إن موقف التمرد في إبداع الكاتب يتجاوز الإطار المألوف عن الواقع و يغوص في العقــل البــاطني، و عـالم الـلاوعـي و اللامعقول" .
وقد صرح أحد الباحثين قائلا:"يظلم السيد حافظ كل من يعامله بمقاييس المسرح التقليدي، وينصفه من ينظر إليه على أنه كاتب طليعي يرفض بإرادة عنيدة متمردة أن يكون مقلدا لغيره، فهو يأتي التقيد في مسرحياته للقالب الواحد يصب فيه مسرحيته كما يضع الكاتب الكلاسيكي أو الطليعي أو الواقعي، بل يؤثر التنقل في المسرحية الواحدة بين الأجواء المختلفة، لتحلق بنا وراء الأجواء المألوفة"
و سيتأكد لنا هذا الابتداع عند السيد حافظ من خلال باقي المكونات الجمالية.
2-2: الشخصيات:
تنقسم شخصيات مسرحية "إشاعة "إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى : و يمثلها بطلا هذه المسرحية و هما الأستاذ مصباح الزمان و الفتاة، و تعكس هذه الفئة جانب الوعي في المجتمع. فمصباح الزمان كما يدل ذلك اسمه يرمز إلى النور، إذ يعمل على بث الو عي بين صفوف الشباب. كما أنه يمثل نموذج المثقف المسؤول أمام قضايا وطنه وهموم أمته. وكأن السيد حافظ من خلال هذه المسرحية " يتقدم ضمنيا ..بمشروع -ينتظر المثقفين عموما و المهتمين بالتاريخ خاصة- يتمثل في الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ.فإعادة الكتابة ستظهر مجموعة من الحقائق الخفية، كما ستكشف عن الذين صنعوا أحداث التاريخ، لأنهم - في غالب الأحيان- يحملون أقنعة تخفي وجوههم الحقيقية"
الفئة الثانية: تنقسم هذه الفئة بدورها إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: و يمثلها كل من الرجل المهم و الأستاذ فهمان، و الصحفي أبو الكلام. وهذه المجموعة ترمز إلى التحايل و الاستبداد بكل أنواعه. كما تمثل المصلحة الخاصة و حب الذات. فالصحفي أبو الكلام متعدد الأوجه و الأقنعة، لا يحمل أي مبدأ، بل يكتفي بالكلام الفارغ و الخطابات الزائفة. إنه رمز لفئة عريضة من الإعلاميين و الصحفيين العرب الذين يتقنون حرفة الكذب و الثرثرة الكلامية.و قد استطاع السيد حافظ أن يعبر عن فساد الإعلام من خلال الحوار الذي دار بين الفتاة و الصحفي أبو الكلام :
الفتاة: أنت فنيت عمرك مع الملك كنت قلمه.. مع الثورة كنت قلمها مع كل رئيس كنت قلمه مع الشرق كنت شرقي مع الغرب كنت غربي..و قلمك هو هو و الحبر يتغير مرة أحمر مرة أخضر مرة أصفر .. مرة من دم الغلابة مرة بتبيع الغلابة مرة مع العبيدة مرة مع السادة مرة مؤمن مرة كافر .. بس قولي أنت مين.
الصحفي أبو الكلام : ح أريحك و أشرحلك ببساطة (يفتح دولاب يخرج مجموعة أقنعة) الصحافة السياسية ياصبية.. لعبة بانية و مختفية.. و القضية ببساطة إزاي تحط على وشك قناع .. شوفي (يرتدي قناع ) دا ملكنا يا جماله هل من التاريخ هلاله من بيت للأشراف من نسب الشجرة المباركة . ( يخلع القناع) بص.. هوب شوف .. التاريخ اتغير أهو( يرتدي قناع آخر ) الملك دا كان فاسد و الثورة هي الحقيقة والشعب هو الشعب .."
إن هذه المجموعة حاولت بشتى الوسائل و الإغراءات إقناع مصباح الزمان بالتخلي عن مبادئه. و الحوار الآتي يعكس صورة من صور هذه الإغراءات:
الرجل المهم: لما تخد منا بصحيح ممكن نقول عنك، أنك تصلح تبقى وزير، تبقى سفير، مسؤول جامعة.
مصباح الزمان: ازاي يعني
الرجل المهم: كل ما تتعاون معانا تقدر نخدمك أكثر.
الرجل المهم: ما احنا بلدك شوف سمعان النعمان بقى سفير، شوف صاحبك مشتاق الزمان بقى وكيل وزارة..أنت الوحيد اللي ما فهمتش و ما غيرتش أفكارك
فالسيد حافظ يحاول فضح تلاعبات السلطة التي تسعى إلى إذلال المواطن و غسل دماغه من الفكر الحي و الثوري.
أما المجموعة الثانية في هذه الفئة، فيمثلها كل من الطالب الفاسد و الزميـل سمعان الزمـان، و مشتاق الزمان. فهذه المجموعة صورة لفئة تلهث وراء الماديات و ملذات الحياة بكل أصنافها، غير آبهة للقيم و المبادئ النبيلة. إنها نموذج الخنوع لمغريات السلطة و الاستسلام لتجبرها و تسلطها.
الفئة الثالثة: و يمثلها أفراد عائلة الفتاة: الأب و الأم وابن العم. وترمز للاضطراب و التردد والحيرة وفقدان الثقة.و لعل ما يعكس ذلك قول الأخ "ما شفتش اللي شافوه ولاعرفت اللي عرفوه و ح ارجع ايد ورا وايد قدام ....لاعارف و لافاهم حاجة" .
و بناء على كل ما سبق ذكره حول شخصيات مسرحية "إشاعة"، يمكن الاتفاق مع ما ذهب إليه حسن عبد الهادي من أن "شخصيات السيد حافظ ضائعة في خضم الحياة تبحث عن القيمة التي زيفتها أصابع الحضارة الحديثة، و تعيش و حشة رهيبة في طريق سعيها إلى تلك القيم والمثل السياسية، سواء أكان ذلك الصعيد الاجتماعي الإنساني، أم الأصعدة الأخرى كالدين و السياسة و الأخلاق"
2-3 : الزمن و المكان المسرحيان.
2-3-1 : الزمن:
ينقسم إلى قسمين: زمن خاص و زمن عام. فالزمن الخاص محدد و محصور،و مرتبط بتطور الأحداث. و نماذجه متعددة في المسرحية، أكتفي بنموذج يمثل " الليل " على سبيل الإشارة فقط:
الفتاة : ياأبه خليك للصباح.... و الصباح رباح..
الأب : يابنيتي أمك تعبانة و مستنيااني على نار..
الفتاة : سلم لي على أمي .. قولها إني مستنيه الصيف علشان أجيلها..
الأب : سلام عليكم ..
الفتاة : مع السلامة (تخرج بينما الظلام يحدث و تنزل خلاله أغنية قولوا العين الشمس)
أما الزمن العام فهو زمن فضفاض وواسع زمن مرتبط بأزمات المجتمع المصري بصفة خاصـــة و المجتمع العربي بصفة عامة. زمن يتداخل فيه الماضي و الحاضرو المستقبل و من نماذج ذلك الحوار الآتي:
الفتاة : أرجوك يادكتور ما تحلمش .. أنت زي والدي .. أرجوك اهرب سافر .. غادر الزمان و المكان
مصباح الزمان : الوطن انسان مش مكان و لازمان .. .
و في موضع آخر نجد الحوار الآتي:
الفتاة : (مقاطعا ) أنت ليه مصمم تفضل هنا ليه ما تسافرش ما تهجرش.
مصباح الزمان: أنا مهاجر في المستقبل معاكم.
و هاجس الزمن حاضر في مسرحية " إشاعة " بشكل مثي و لافت للنظر، كما يبدو من خلال أسماء الشخصيات، من أمثال: مصباح الزمان و عصر الزمان الفهمان. فهذه المسرحية لاتعالج مرحلة بعينها، بل هي مسافرة في كل الأزمان و العصور.
2-3-2 : المكان :
ما قيل عن الزمن يقال عن المكان أيضا. فهناك المكان الثابت المرتبط بتطور الأحداث مثل: الجامعة، البيت، مكتب مصباح الزمان، القرية، المدينة و غيره من الأمكنة. و هناك المكان العام المرتبط بالوجود الإنساني. ف"قضية المكان في مسرح السيد حافظ تحتاج لبعض المناقشة فهو ليس محدد بحدود الواقعية المألوفة، بل هو مكان فنتازي، تجريدي يقع على حافة الاحتمال غير المحدد بمحددات آلية. وهو واقع مكاني خاص، متحرر من المواصـفـات الشكلية المعتادة غـوص في اللامحدود و الوهمــي و الشبحي " .
و عن عالمية المكان في مسرح السيد حافظ يقول إسماعيل الأمبابي : "هذا الكاتب لم يحمل جواز سفر مصريا فقط، بل في الحقيقة حمل هذا الكاتب جواز سفر عربيا إفريقيا عالميا...فكل قلوب الناس حقيقته" .
إن بنية المكان في مسرحية "إشاعة " بصفة خاصة، و باقي أعمال السيد حافظ المسرحية متنـوع و متعدد. فتجاربه " تسافر ..في جميع الأمكنة، في الشوارع في السجون، في المعتقلات، و في الساحة العمومية، ليتجاوز ضيق الخشبة الإيطالية .. التي تقبر ذهن الممثل و المتلقي بتعليماتها الحرفية، فتسقط معها تلك النمطية مع كاتبنا ليجعل المسرح متحركا يخاطب الماضي و الحاضر، لتكون في الأخير نسيجا متناسقا يروم إلى المستقبل المشرق و هذا ما أكده الباحث عبد الكريم بقوله: "لأنها كتابات جادة و جريئة، كتابات لا تقف عند الشائع المعروف، و لكنها تتعداه لتطل إلى مشارق كتابة مستقبلية جديدة. و هي تتوسل إلى كل ذلك من خلال التجريب الواعي"
و خلاصة القول في هذا المقام، "إن السيد حافظ لا يلتزم بحرفية تعليمات وحدات الزمان و المكان الأرسطية، و لكن تنصب اهتماماته على تجريد المسرح كمسرح من الأشكال التقليدية القديمة"
2-4 : الصراع الدرامي:
لقد تعددت مظاهر الصراع في مسرحية " إشاعة " و تنوعت. فهناك صراع نفسي تعانيه بعض شخصيات المسرحية، بدءا بالفتاة التي عانت الويلات من جراء ما قيل عنها من إشاعات. فرغم أنها نموذج للمرأة الواعية المتشبثة بمبادئها المؤمنة بقضية أمتها، فإن ضغوطات أفراد المجتمع كادت تفقدها الثقة في نفسها، و تتخلى عن مبادئها من ذلك ما يعبر عنه الحوار الآتي:
الفتاة : ممكن اسأل حضرتك سؤال ايه فايدة البحوث لما ترتمي في الادراج والاعلى الرفوف و لا تتسجن في كتاب ضرير ما يتقراش.. ايه فايدة القصيدة و الجريدة...و العلم و الحلم لحظة انهيار وطن.
مصباح الزمان : الكلام دا يأس ما حبهوش .. ما علمتهوش لكم ..ما عرفتهوش في حياتي أنت أكيد قابلتي الدكتور عصر الزمان..
فالملاحظ أن الباطل كاد يصبح حقيقة، لولا تشجيعات الدكتور مصباح الزمان و قوة إيمانه التي استطاع بفضلها أن يتغلب على الإشاعات، و يعين بذلك الفتاة على إعادة الثقة في نفسها. إن الدكتور مصباح الزمان نموذج للخير في مقابل الشر الذي عكسته بعض شخصيات المسرحية، من أمثال الرجل المهم و الأستاذ فهمان و غيرهما .
هناك إذن صراع بين الخير، المتمثل في الإيمان بالقضايا الإنسانية كما عكستها شخصية الدكتور مصباح الزمان و شخصية الفتاة.و الشر، المتمثل في التسلط و التجبر و الوقوف ضد الحق. وقد عكسته مجموعة من الشخصيات، من أمثال الرجل المهم و غيره. و هناك صراع آخر طالما تكرر في أعمال السيد حافظ: إنه الصراع بين المدينة و القرية. و من نماذج الأعمال التي عكست هذا الصراع إلى جانب مسرحية " إشاعة"، مسرحية " حكاية الفلاح عبد المطيع "
2-5: الحوار :
إن الحوار من الأسس و الدعائم التي يقوم عليها البناء الدرامي. فبواسطته تتـبلور الأحـداث و تتطور. كما أنه يساهم في رسم معالم الشخصية وحالتها النفسية.
وقد تنوعت أضرب الحوار في مسرحية "إشاعة " واختلفت من ناحية الطول و القصر. و لعل "ما يميز الحوار عند السيد حافظ هو ذلك التنوع ليكون همزة وصل بين مجريات الأحداث و مشاعر الشخصيات التي تساهم في بلورته، و هو حوار يفصح عن مجموعة من المواقف و الأفكار" .
2-6 : اللغة في مسرحية "إشاعة "
لقد كتب السيد حافظ هذه المسرحية باللغة العامية المصرية. و لا يعد ذلك عيبا أو نقصا. بل إن القارئ غير المصري و المشاهد العربي بصفة عامة يحس بجمال هذه المسرحية و بفنيتها، نتيجة تذوقه للهجة المصرية. كما أنه لولا هذه الكتابات باللهجات المحلية، لما استطعنا أن نطلع على التراث المحلي لكل بلد على حدة؛ من ذلك : التقاليد و العادات و التراث الشعبي، مثل الأمثال الشعبية المحلية .
وقد وظف السيد حافظ في مسرحيته هذه في بعض الأحيان اللغة الثالثة كما يسميها توفيق الحكيم، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر قول الرجل المهم : "يا مصباح الزمان، لكل زمان رجالـــه و لكل دولة رجال و أنت ما اتغيرتش و ما بقتش معانا "
ومن جماليات اللغة في هذه المسرحية، المزج بين لغة النثر و لغة الشعر . "و البناء الشعري - عند السيد حافظ - لا يقوم على موسيقى الشعر بقدر ما يقوم على الصورة الفكرية التي تبعث من البناء اللغوي. و الشعر هنا شعر مضمون لا شعر اللفظ " . وقد وسم عبد الرحمن أبو عوف اللغة في مسرح السيد حافظ بـ "اللغة اللاواقعية " فمما قاله ما يلي : "لقد رفض تبني المسرح الطبيعي الواقعي الأسلوبي لقد تبنى أسلوبا بليغا شعريا مدعوما بعيدا عن اللغة اليومية بعد الشعر عن النثر، فشخصياته يعبرون بلغة مصطنعة تصويرية متعددة عاطفية و فلسفية رومانتيكية و شعرية و أحيانا مغلقة بالصور فهو يحاول إعادة سلطان و عظمة الشعر و لكن هل الشعرية طغت على الدراما "
من نماذج هذه اللغة التي يغلب عليها طابع الصنعة قول الطالب الفاسـد : (أنـا بصراحة و بدون فصاحة ) و قوله في موضع آخر: (حفلة خلوية في الهيلتون..الزفاف في الشيراتون.....)
هذه بعض و ليس كل الجوانب الفنية التي تميزت بها مسرحية "إشاعة "، هذه المسرحية التي تتوفر على " إرشادات مسرحية " و تقنيات فنية تحتاج إلى و قفة خاصة.
خاتمـــــة :
تلك هي بعض المكونات الفكرية و الجمالية في مسرحية " إشاعة ". التي حاول السيد حافظ من خلالها فضح الواقع المصري بصفة خاصة، و الواقع العربي بصفة عامة، و تعريته بغية إصلاحه و تقويمه. و لعل الدعوة إلى كتابة التاريخ، و البحث عن الحقيقة ظلت هاجسه في هذه المسرحية و مسرحيات أخرى.
لقد جعل السيد حافظ من أعماله المسرحية واجهة نضالية ضد الظلم بمختلف أشكاله. فهو يدعو الإنسان إلى عدم الاستسلام أمام آفات المجتمع الخطيرة، منها آفات الأمراض الاجتماعية و النفسية كما صورتها هذه المسرحية. ف " السيد حافظ من كتاب المسرح الإنسانيين، ليس بنزعته نحو العدالة في الحياة فقط ولكن باندماجه في هموم الحياة العربية ككل، في تعبها الإنساني و المحاولة العاجزة عن خلق نظام يحقق مجتمعا جديدا تتحقق فيه سعادة تمسح التعاسة و الاندحار في أعماق الإنسان العربي السيئ الحظ"
إنني بهذا العمل المتواضع أتمنى أن أكون قد ساهمت و لو بقدر يسير في رد الجميل لهذا المبدع النموذجي الذي يستحق الشكر و الثناء، هذا المبدع الذي عانى التهميش كما عبر عن ذلك بنفسه : "أنا من الجيل الذي ضحى و استشهد في 73 و لم يذكره التاريخ... أديبا أو فنيا أو ثقافيا وظلت اللعبة كما هي .. الذين تسببوا في طعن الوطن و هزيمته يقودون الوطن فكرا و فنــا و ثقــافــة و تألهوا بدون مبرر على ذكريات ما قبل النكسة لا أدري !!فأنا أبحث عن شكل مسرحي جديد مع جيلي و لست بمفردي جيل كامل... كان يبحث نقدا و إبداعا و هذا الجيل ظلم "
و إذا كان التاريخ قد ظلم السيد حافظ، فإن الباحث المتعطش للمعرفة و التحصيل العلمي لن ينسى جهد أبطال القلم و الكلمة، و سيبقى مدينا لهم بأعمالهم المتميزة التي نسأل الله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم و الحمد لله رب العالمين.
المصادر و المراجع :
1- المؤلفات :
1-أسئلة المسرح العربي " عبد الرحمن من
كلية الآداب والعلوم الانسانية
وجــدة
وحدة البحث والتكوين : بيبليوغرافيا الأدب المغربي الحديث
التجـريـب،من خلال الإرشادات المسرحية، في
مسرحية:
"ظهـور واختفاء أبي ذر الغفاري"
للسيد حافظ
إعداد الطالب : تحت إشراف الأستاذ:
عبدالواحد عرجوني د. مصطفى رمضاني
الـمـحـتـويـات
1- مقدمــة
2- في المنهـج
3- تحديد المفاهيم :
3-1-المسرح
3-2- النص المسرحي
3-3- التجريب
3-4-الإرشادات المسرحية
4- الإرشادات المسرحية في نص":ظهور واختفاء "أبي ذر الغفاري"
4-1- إرشاد"
|
|
|
|
| |
| روابط ذات صلة |  |
| تقييم المقال |  |
المعدل: 5 تصويتات: 1

| |
| خيارات |  |
|